التصاق الزمكان

كثير من البشر يلتصقون إلتصاقاً شديداً بزمكانتهم المهمة! هؤلاء لا يفكرون كثيراً في المستقبل، بل لا يشغلون أنفسهم حتى بحاضرهم. أكبر مشكلاتهم حبهم لماضٍ ليس بالضرورة أن يكون فعلياً ماضيهم!

التصاق الزمكان

كثير من البشر يلتصقون إلتصاقاً شديداً بزمكانتهم المهمة! تبدوا جملة علمية من خلفية شخص محب لأينشتاين، ولكن القصة أبسط من هذا بكثير. أتحدث عن أشخاص أبسط من حبة الرز في تكوينة شخصياتهم. هؤلاء لا يفكرون كثيراً في المستقبل، بل لا يشغلون أنفسهم حتى بحاضرهم. ولا تفاجأ إن قلت لك أن أكبر مشكلاتهم حبهم لماضٍ ليس بالضرورة أن يكون فعلياً ماضيهم! أعلم أن هناك سؤالاً يدور بذهنك الآن، كيف لهؤلاء البسطاء أن يتعلقوا بالزمكان! كارثة هؤلاء أنهم يتعلقون بموقف محدد في مكان محدد بظروف معينة، وتكون هذه التركيبة لهم هي معادلة السعادة التي يسعون لها. ولا يكترثون بأي شيءٍ آخر! حتى لو كان موقفاً تخيّله ولم ينجح أبداً في تحقيقه بكل ظروفه التي رسمها في خياله.

ترى هؤلاء في الشباب الذي ينفق كل دخله على كرسي قهوته المفضلة. يذهب ويجلس في نفس المكان، على نفس الكرسي، يشرب نفس الأشياء في كثير من الأحيان بنفس الترتيب. تنظر إليه وتتعجب، ما لهذا الشخص لا يترك كبيرة ولا صغيرة لا يكررها! أفلا تملون؟! دون إحباطك، نعم هو لا يمل، بل ستتعجب لو علمت أن هذا الشخص يمل مشكلاتك المعقدة وطموحاتك التي تصيبه في أغلب الوقت بالقلق أو في بعض الأحيان بالضحك! نعم هو يراك مسكيناً تركض خلف سراب ولا ترى الدنيا. ترهق نفسك في لا شيء. كثيرٌ من هؤلاء الناس يفقدون متعتهم تماماً لو ذهب إلى قهوته فوجدها مغلقة للتجديدات. لن يقبل بسهولة فكرة الجلوس في مكان آخر. هو معلق بهذا المكان، ليس فقط المكان، بل هو معلق أيضاً بالتوقيت الذي يجلس فيه، بظروفه في أول مرة جلس في هذا المكان ووجد فيه الراحة. لو يستطيع أن يظل في نفس عمره هو وأصدقائه كل يوم ليعيد نفس التجربة التي أراحته لما تقاعس أبداً عن تحقيق ذلك. أكاد أجزم بأن كثيراً منهم يفسد يومه حتى لو وجد المكان موجوداً، ولكن أحدهم جلس على كرسيه المفضل. جرب اصطحاب هؤلاء للقهوة صباحاً، سيشعر بغربة لا تتعجب لها! نعم، هو معلق بزمكانه. هو يريد هذا الكرسي ليلاً بعد العودة من العمل. وإن تغيرت أي تفصيلة مكانية أو زمانية، يشعر بالفشل والإحباط وفساد هذا اليوم!

أرى في عينيك نظرتك لهذا الشخص، تراه مسكيناً وتحمد الله على ما عافاك مما ابتلى به كثيراً من الخلق، سأصدمك الآن وأخبرك أنك أيضاً معلق بزمكانات كثيرة، ولكنها تبدو أكثر تعقيداً لذلك لا تراها! عندما تقرر أنك ستحقق هدفاً محدداً في توقيت تختاره ليكون هدفك في الحياة، وتبدأ رحلتك الشاقة في تحديد هدفك، إن لم تصل لهدفك في الموعد الذي اخترته فإن القلق والشعور بالفشل والإحباط سيصاحبك. بل إنك ستتوقف ولن تكمل طريقك في كثير من الأحيان لمجرد أن الزمن - الذي اخترته أنت – قد حل دون حلول الهدف!

تخيل أنك قررت أن تفتح لنفسك مشروعاً خاصاً، تحلم بأن يكون لمشروعك صيتاً كبيراً ونجاحاً مبهراً. وبعد مدة من الكفاح تهدم مشروعك فوق رأسك وأغلقت شركتك واضطررت للسفر للعمل في أي دولة لأن وضعك المادي تدهور بسبب مشروعك. أرى في عينيك هنا الإحساس بالفشل والإحباط، رغم أن الموضوع ببساطة قد يكون هذا هو تدبير الله لك لأن هدفك قد تغير مكانه وما يحدث ما هو إلا طريقة دنيوية لنقلك من مكان إلى آخر حيث أن هدفك سيتحقق هناك. هل تنتظر أن يخرج لك حيوانٌ أسطوري يقول لك: “عفواً، قد تم نقل حلمك إلى بلاد ما خلف البحار، على السيد صاحب الهدف ربط الأحزمة لأننا سنقوم بنقلك إلى هناك!” الدنيا قاسية بطبعها ولن تغير اتجاهك إلا بالتصادم معك!

هل تعلم لماذا وأنت تارك هدفك خلفك مسافراً تشعر بالفشل؟ لأنك معلق بالزمكان الذي حددته أنت لتحقيق هذا الهدف! لماذا تقبلت فكرة أنك تارك الهدف مسافراً؟ لا تترك هدفك أبداً، الهدف لا يرتبط لا بالمكان ولا بالزمان. الهدف يرتبط بحياتك. طالما أنك مازلت هنا، هو معك. أولئك الذين يلتصقون بزمكاناتهم تدور الدنيا وتختلف وتتقلب، وهم ملتصقون بصورة وهمية رسموها لأنفسهم. يبددون أعمارهم بحثاً عن المكان الذي حددوه وينتظرون الوصول إليه في زمانٍ هم حددوه أيضاً. يعيشون قصصاً بائسة إن مر زمانهم المنتظر أو أُبعدوا عن مكانهم. يحكون للناس مأساتهم، كيف فشلوا، كيف ضاعت آمالهم. وهي لم تضع، هي موجودة في مكان آخر، في زمان آخر. ولكنك ببساطة وجدت القهوة مغلقة فقررت أن تدفن نفسك جوارها حزناً عليها!

الدنيا تتحرك وتتغير أسرع مما يمكن أن تدرك، إن لم تتحرك معها وتقبل تغيراتها - بسرعة - ستفقد دائماً كل فرصك في الوصول. تخيل نفسك فقدت القطار الذي تريده وكلما جاء قطارٌ آخر، تخسره لأنك كنت تبكي على القطار الراحل! يجب أن تقبل التغيير وهو جديد. حاول أن تعتاد عليه بعد أن تقبله، إن انتظرت أن تألفه سيتغير، لن ينتظرك. ستعيش عمرك تحاول أن تقبل التغيير ولكنك أبداً لن تتكيف معه لأنك أبطأ من الدنيا.

هل تعلم ما الذي يجعل تقبلك للتغير بطيئاً؟ التصاقك بزمكاناتك. نعم، لا تتعجب، تأخذ وقتاً طويلاً كي تتخلص من زمكانك الملتصق بك، تحتاج إلى وقت أكثر من اللازم كي تكون حر الفكرة. كثيراً ما يأخذك ذلك الزمكان الملتصق بك بعيداً عما تريده أنت ولكن كارثتك أنك متشبث به! دعنا نعود لتلك القهوة التي يجلس بها الرجل الذي لم تعجبك أحواله، دعنا نلقي نظرة بسيطة على ذلك المكان. أنظر لهذا الشخص البائس الذي سقط عليه سقف المكان لأنه رفض تغيير مكان كرسيه عندما أخبره الناس بأن هذا المكان لم يصبح آمناً كما اعتاد.

هل أخبرك باسم هذا الشخص؟ أعتقد أنك تعرفه جيداً.