مدينة ثلاثين

كلما اقتربت من تلك المدينة سيزداد خوفك منها، بسبب ما يحدثونك عنها. كلما اقتربت منها سيزداد معدل نظرك للخلف. وكل مرة ستنظر سترى الصورة خلفك غير واضحة.

مدينة ثلاثين

هذه المدينة، ستزورها على الطريق بعد أن تنهي رحلتك في عشريينياتك. مدينة مختلفة تماماً في كل ملامحها وأصواتها ومتطلباتها عما رأيته من قبل. وطبقاً لظروف كثيرة، قد تكون لك (ثلاثيناليا) أو (كفر ثلاثين) أو ببساطة (مدينة ثلاثين).

كلما اقتربت من تلك المدينة سيزداد خوفك منها، بسبب ما يحدثونك عنها. كلما اقتربت منها سيزداد معدل نظرك للخلف. وكل مرة ستنظر سترى الصورة خلفك غير واضحة.

ما يحدث عند أبواب هذه المدينة، إنها أول نقطة تستطيع منها النظر للخلف بوضوح. تستطيع أن ترى أخطائك الصبيانية والفرص الضائعة. ستبدأ في تحليل تصرفاتك وكلماتك وعلاقاتك. ستبدأ في التفكير في ماضيك أكثر من أي وقت مضى. أول من ستراهم بوضوح هو كم الأشخاص الذي توقعت أن بيدهم مستقبلك، وأنهم أهم ما يكون إليك. واتضح أنهم ليسوا إلا فاصلاً إعلانياً سخيف تود لو أنك استطعت تجاوزهم من البداية... ستذكر بكل التفاصيل جميع محاولاتك لإرضائهم وكسب محبتهم. لا تندم، فلولا أنك أخطأت في تقييمهم، ما كنت ستصل إلى المدينة بخبرة أهل تلك المدينة.

فقط في شوارعها، تكون بداية أن ترى في ذكرياتك أحداث مر عليها عشر سنوات وتذكرها بوضوح كأنها حدثت أمس، وكنت شاباً يافعاً عشرينياً - يظن أنه - يعى ما يفعل. فقط عند هذه المرحلة لا تشعر أنك في البداية. لأن ما تراه خلفك أصبح يكفي لإقناعك بأنك في منتصف الطريق.

داخل منزلك في تلك المدينة، تبدأ الآن تتعامل مع كثير من نتائج ما فعلته في عشريينياتك. لأول مرة تتعامل مع نتائج قراراتك أنت لأنك كنت قبل ذلك تعتقد - بل متأكد - أن جميع ما تعاني منه بسبب قرارات من هم مسئولين عنك. والديك، مدرسينك، تنسيق الثانوية العامة، دكتور الجامعة الذي لم يعِ إمكانياتك. ولو كان الأمر بيدك ما كنت فعلت كل هذا الهراء... دعوني فقط أتصرف كما أريد وستريون النتيجة. وتفاجأ اليوم أنك منذ عشر سنوات وأنت تقود بحرية تامة بعد أن تخلصت من جميع من يجلس على مقعد السائق تاركك مسكيناً تابعاً في الخلف. وأصبحت أنت اليوم من تقود.

لأول مرة، سترى ولداً يافعاً، ليس طفلاً أبداً في عينيك، يطلب منك شيئاً بصيغة (ممكن يا عمو). في بادئ الأمر ستشعر أنه أخطأ... بالتأكيد لا يعنيك أنت... ثم تتأكد عندما ترى عينه لا تخاطب أحداً غيرك! تتعجب، هل يبدو عليَّ العجز؟! لا يا صديقي هذا ليس عجزاً، ولكن كيف تريد من ولدٍ تسبقه في العمر بعشرين عاماً أن يناديك. نسيت أن أخبرك، هو يرى أنك محظوظ، لا تستيقظ مبكراً لكي تذهب للمدرسة، وليس لديك واجبات تقوم بعملها عندما تعود. وتستطيع أن تسافر أي وقت تريد في أي مكان تريده لأنك كبير (يا عمو). ويمكن أن تأكل من أي مطعم تريده في أي وقت دون الحاجة للاستئذان من أحد. حقاً يتمنى أن يكبر ليتخلص من كل المعاناة التي يعيشها ويكون سعيداً مثلك. نسيت أن أخبرك، هو فقط لا يعلم لماذا تضحك وتسخر من هذه الأفكار... ولكن كل جيرانك في المدينة يعلمون.

ليس كل ما في تلك المدينة مخيف، مثلاً، لأول مرة سيكون لك صديق تثق به مر على صداقتكم عشرون عاماً. لا تستطيع أن تملك تلك الرفاهية قبل أن تصل إلى هنا. كثير من الضوضاء التي كانت تسيطر على قراراتك لم تعد تسمعها. ليس لأنها زالت، ولكن لأنها فقدت قدرتها على جذب انتباهك. لم يعد يهمك الآن نوع الهاتف الذي تستعمله بقدر ما يهمك أن يكون مطيعاً وعوناً لك على ما تريد إنجازه. حتى أصوات تنبيهات الهاتف التي كانت تشغل بالك كثيراً لم تعد كذلك، بل إن هاتفك يكون على الوضع الصامت كثير من الوقت الآن. تتحول من البهجة العارمة عند سماع صوت هاتف يناديك إلى الفرحة المريحة طالما أن الهاتف نائم ولا أحد يريد منك شيئاً. لم يعد يشغل ذاكرتك من من المطربين تزوج من، ولا من سافر إلى أين كي يقوم بتصوير حلقاته الجديدة. فقط ستنتظر العمل الفني كي تراه.

بعد أن كانت الأموال تأتيك على هيئة مصروف من والديك وعيديات، تنقب عنها بنفسك في صخور الزمن الآن... بعد أن كان دخلك في بداية حياتك أقل بكثير من الآن ولكن أغلبه يذهب لرفاهياتك، تستطيع الآن أن ترى بوضوح ما يستحق الإنفاق عليه دون الحاجة لشخص أن يحذرك من ضياع أموالك. ببساطة لأنك اليوم ناضج، مرحباً بك في مدينة ثلاثين.

في نهاية الأمر، هو طريق يسير بك ولا تسير عليه. لأنني نسيت أن أخبرك، لا طريق تستطيع أن تسلكه يمنعك من الوصول إلى هناك. ولكن، هو ليس مكاناً مخيفاً كما تظن. لأنك اليوم بعقل أكثر حكمة، ولك ماضٍ تستطيع أن تستند عليه في قراراتك وحرية أكبر وما زلت تملك الكثير من طاقاتك. أود فقط أن أذكرك... أنك يوماً ما ستترك هذه المدينة. وأود أن أعلمك أيضاً، جميع من تركوها حزنوا على فراقها... ستصل إلى مدينة أخرى تنظر منها للخلف... وسترى كل ما فعلته في مدينة ثلاثين بوضوح. أنت اليوم تملك الموارد والطاقة. وكل ما تعاني منه هو نقص في الوقت. وستختل المعادلة مرة أخرى عندما تترك مدينة ثلاثين. رحلة سعيدة.