نفسي أشوفك باشمهندس قد الدنيا !!

كم شخصاً ضاع من عمره 16 عاماً في التعليم (هذا إذا كان في كلية 4 سنوات ولم يتأخر أي سنة) ليكتشف في نهاية المطاف أنه لم يستفد أي شيء. وأنه في أشد الحاجة لأن يبحث عن شيء يتعلمه يستطيع أن يكون منتجاً ويحصل على فرصة عمل. وإن فرضنا أن العمر الافتراضي لبدء العملية التعليمية هو 6 سنوات، إذا سيصل الشاب إلى سن 22 عاماً وهو غير قادر على إنتاج شيء. ومن هنا تبدأ المشكلة.
يبدأ الحديث عن مشكلة البطالة، وأنه لا فرص عمل للشباب من طرف، ويفاجئك الطرف الآخر - الشركات - بأنه يعاني نقصاً حاداً في العمالة. وتكمن المشكلة هنا في جملة واحدة: "عجز في عدد العمالة المدربة"، وذلك لأننا ننفق مليارات على التعليم غير المفيد.
يجد الشاب نفسه مسيراً لا مخيراً في طريق طوله 16 سنة على الأقل ليس له أي خيار للهروب منه. هذا الطريق له نتائج وليس له أهداف.
النتيجة: معاك ورقة إنك بتعرف تعمل حاجة.
الأهداف: ولا أي حاجة.
ويبدأ يستمع إلى مسلمات مجتمعية وهي (خد الإبتدائية، لازم تجيب مجموع دي شهادة) ويبدأ يكتئب ويعتقد أن مستقبله معلق بدرجاته التي سيحصل عليها في امتحان العربي. ويسهر ويكافح وهو لا يعلم كارثتين كلاهما أعظم من الأخرى. الأولى أنه بمجرد الحصول على هذه الدرجة العلمية الرفيعة - الإبتدائية - ولا كأنك عملت حاجة. ومطلوب منه الآن الحصول على مجموع كبير في الإعدادية. الكارثة الثانية هي منظومة التصحيح والتقييم نفسها. والتي تقيس عدد الصفحات التي يستطيع الطالب أن يحفظها فقط لا غير. ولذلك هذه الطريقة العقيمة تؤدي لجعل ضعاف الإبداع في المقدمة والمبدعين في قائمة الفاشلين بل والراسبين أحياناً كثيرة.
تستمر المأساة حتى يصل للكابوس الأعظم - الثانوية العامة - وهنا يتوقف كل شيء داخل المنزل الذي ألقيت بهذه القنبلة داخله. أخته الكبيرة لن تتزوج لأنه عنده ثانوية عامة. لن نشتري تكييفاً لأنه عنده ثانوية عامة. لن نفتح مشروعاً لأنه عنده ثانوية عامة. بل وسنضغط ميزانية الأكل والعلاج لأنه عنده ثانوية عامة. لو حاولت تحسب كم الأموال التي تنفق على دروس الثانوية العامة ستجده مليارات المليارات والتي لا تضيف شيئاً للمتعلمين. بل وأنها أيضاً غير مفيدة للدولة اقتصادياً لأنها خارجة عن منظومة الضرائب. هي باختصار عملية نحر لأولياء الأمور في أكل عيشهم كي تمتلئ بطون المدرسين النجوم. وفي النهاية يعامل الطالب كعبد عنده يطرده ويهينه لأنه يراه في النهاية كـ (خمسين جنيه)... بناقص واحد يعني.
بعد أن يمر الطالب في هذا الكابوس المفزع يكون أيضاً مسيراً تجاه الكلية التي سيذهب إليها. لا مفر من أن يدخل كلية قمة لو حاصل على مجموع كبير حتى لو لا يريدها لأنه سيصبح متخلفاً ومعتوهاً أمام الرأي العام. وقد يكرهه أهله إذا لم يفعل ذلك!
- انت عايز تجيب 98% وتدخل تجارة؟
- يا بابا أنا بحب التسويق.
فتأتي الجملة الدرامية المشهورة: - نفسي أشوفك باشمهندس قد الدنيا.
هذا ولا نغفل المبدعين الذين كنا نحتاجهم فعلاً في كليات الهندسة وما شابه ولكن للأسف، لن نقبل به مهندساً لأنه لم يتذكر في لحظة معينة الجملة المكتوبة قالها شيبوب لعنتر ولا عنتر هو اللي قالها لشيبوب!
تمر الأيام، ويتحجر عقله من كمية ما يحفظه، وبقدر ما يبتعد عن أحلامه وآماله بقدر ما يتحول إلى ماكينة تريد مدخلاً ثابتاً له مخرج ثابت من أجل الحصول على دخل ثابت... لكي يتزوج... وينجب أطفالاً يطلب منهم في يوم من الأيام أن يكونوا مهندسين... زي أبوهم!!!!!
لا أرى حلاً إلا في كسر هذه المنظومة ولا أمل من إصلاحها. نريد شباباً يبدأ إنتاجه في سن 17... نحتاج إلى منظومة تعليم جديدة ولا أطالب بإصلاح الموجودة. نحن نزرع المستقبل الأسود بطريقة التعليم التي نتبعها مع الجيل القادم!