يتيم الوطن
هل يتيم الوطن . يشعر بالإنتماء؟

أرغب في كتابة فكرة ظللت أفكر فيها لفترة طويلة... مسألة الوطنية والانتماء، كيف تتشكل؟ فمن المؤكد أنها ليست صفة نولد بها، بل شيء مكتسب، لكن كيف يحدث ذلك؟
هناك شيء يشغلني ولا أجد له تفسيرًا واضحًا...
قضيت أول 17 عامًا من حياتي في السعودية، ثم عشت في مصر حوالي 15 عامًا، والآن أعيش في ماليزيا منذ نحو 6 سنوات. هذه البلدان الثلاثة تعني لي الكثير، وبنسب مختلفة، يهمني أن تكون دائمًا في حال جيد، وأشعر بالسعادة لفرحها حتى إن لم أكن مستفيدًا، وأحزن لمصابها حتى إن لم أكن متضررًا بشكل مباشر.
أما عن مصر، فالأمر مختلف تمامًا... إحساسي تجاهها أشبه بإحساس الابن الذي ترفضه أمه، أو كأنها أب لا يخشى على أبنائه. هذا الشعور مؤلم جدًا، فأنا دائمًا أشعر أنها لا تهتم بي، رغم أنها تهمني كثيرًا. المفترض أن تكون المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني مواطن من الدرجة الأولى، لأنني في أي مكان آخر لست "صاحب المكان". لذلك، الإحساس بالغربة في وطنك أشد ألمًا من الإحساس بالغربة في بلد أجنبي.
أما ماليزيا، فعلى العكس تمامًا، أشعر أن وجودي فيها له قيمة. هناك توجه واضح لبذل الجهد من أجل جذب الأشخاص الجيدين والإبقاء عليهم. لا أدّعي أنها جنة، ولا أن جميع الناس فيها مثاليون، فقد سمعنا من قبل عبارات مثل "الأجانب يأخذون أموالنا"، وهذا طبيعي، فلا يوجد شعب ملائكي. لكن ما أتحدث عنه هو التوجه العام: كيف تجعل بلدك وجهة لمن يبحث عن بيئة مناسبة، وكيف تحتفظ به عندما يصل إليها.
أما السعودية، فقد تركتها للحديث عنها في النهاية لسبب معقد للغاية... لديّ تعلق شديد بها لا أجد له تفسيرًا واضحًا. أشعر بسعادة غامرة كلما رأيت تطورًا يحدث هناك، أو علمت بتحسن التعليم مثلًا، رغم أنني لا أعرف السبب الحقيقي وراء هذا الشعور. كثيرًا ما تمنيت أن تكون لدي فرصة للمساهمة في بناء هذا المكان، لكن لا أدري لماذا.
لم أشعر يومًا برغبة في الحصول على جنسية أخرى، وحتى عندما أتيحت لي فرصة العيش في فانكوفر بكندا، قيل لي إنها فرصة لا تتكرر، لكنني لم أشعر بأي رغبة في حمل جواز سفر كندي أو أن أُعرف بصفتي كنديًا، حتى لو كان ذلك لمجرد الاستفادة منه، مع كامل احترامي لأي كندي. لم أشعر أنني واحد منهم.
أما السعودية، فهي البلد الوحيد الذي أشعر أنني أنتمي إليه، رغم أنها لم تُشعرني يومًا أنني منها...